الفونيقيون في التاريخ

اشتهرت في سالف العصور أمةٌ قليلة العدد، كثيرة العمل، وافرة النشاط، توطنت سواحل بحر الروم، سجل لها التاريخ صفحة مجيدة بين سائر الأمم المتمدنة القديمة وهي الأمة الفونيقية التي تولت أمصارنا الشرقية قروناً عديدة وبسطت سيطرتها ونفوذها على أصقاع بعيدة. ولم تفتقر في ذلك إلى تجهيز الجيوش وامتشاق الحسام لمنال بغيتها أسوةً بالدول القديمة كالاثوريين والبابليين والمصريين والماديين والفرس واليونان والرومان بل استخدمت نبوغها في العلوم والمعارف ورسوخ قدمها في ضروب الصنائع والفنون حاملةً مخترعاتها الجميلة من أقمشةٍ حريرية وأوانٍ ثمينة وغيرها إلى البلاد القاصية. هذا فضلاً عمّا استنبطته من أدوات الكتابة وحروفها ونقلها إياها إلى أمة اليونان وإلى المستعمرات القديمة شرقاً وغرباً إذ كانت تشحن أساطيلها البحرية وسفنها التجارية بضائع وافرة إلى جميع الأصقاع.
وظلت هذه الأمة الشريفة قروناً عديدة تدافع عن كيانها القومي وتقاتل في سبيله أقواماً أوفر منها عدداً وأشدّ بطشاً حاملة السلاح تارةً لمناوأتهم وطوراً لمهادنتهم ولكنهم لم يحجموا عنها لا بعد أن فازوا بأمنيتهم سدّاً لجشعهم.

على أن الفونيقيين لم يكتفوا بذلك كله بل شادوا مدناً عامرة على شاطئ البحر المتوسط أطنب في وصفها أقدم الكتبة والأنبياء أهمّها صور وصيدا. غير أنه لما فتح اليونان سواحل سورية ودوخوا بلادها امتزج العنصر الآرامي والفونيقي والفلسطيني وأصبحوا شعباً واحداً هو الشعب السوريّ واللبناني .