جثالقة المشرق ومفارنة السريان

جثالقة المشرق ومفارنة السريان
بقلم حضرة القس اسحق أرملة السرياني
توطئة

الجاثليق لفظ يوناني (όςολιηΚαθ) معناهُ العمومي ويقابلهُ في السريانية كَةٌولٍيكُا وفي الأرمنية كاثوغكيس وفي اللاتينية Primatus وقد أُطلق هذا الاسم في صدر النصرانية على أربعة كراسي كانت تراجع الكرسي الانطاكي الاثنان في آسيا والبنطس وقد انطمس ذكرهما منذ أجيال والاثنان الآخران بقيا محفوظين حتى اليوم بالتسلسل في بطريركية السريان الشرقيين وهم الكلدان وفي بطريركية الأرمن.

ولما ظهرت بدعة نسطور بطريرك القسطنطينية عام 428 وانتشرت في القرن الخامس في أصقاع المشرق وفارس وضربت أطنابها إلى ماداي وخورسان وتركستان والهند والصين وقويت شوكتها خصوصاً في العراق في عهد الأكاسرة والخلفاء العباسيين وتغلَّبت على أصحاب الطبيعة الواحدة وهم السريان المنوفستيّون عوّل هؤلاء على إقامة أسقف عمومي يحاكي جاثليق النساطرة في الرئاسة والسياسة وأطلقوا عليه اسم مفريان مَفريُنُا وهو لفظ سرياني مشتقّ من فعل اَفرٍي ومعناهُ انشأ وأحدث واستنبط وأثمر فكأنهم قصدوا بذلك إنشاء رئاسة حديثة خوّلوها امتيازات تتوسط ما بين امتيازات البطاركة والأساقفة أو قصدوا سلطتهُ في إنشاء الكنائس وتسقيف الكهنة فجمعناهُ على مفارنة كجثالقة.

وأول من حاز هذا المنصب لدى السريان المنوفستيين كان آحو دامهِ (+575) ولكن لفظ المفريان لم يُطلق بادئ بدءٍ إلاّ على ماروثا التكريتي وقد قلّدهُ هذه الرتبة اثناسيوس الجمَّال بطريرك السريان الانطاكي (595-631) وفوّض إليهِ سياسة السريان الشرقيين فنصب كرسيّه في تكريت وأُنيطت به اثنتا عشرة أبرشية أسقفية.

ومما اضطرَّ السريان إلى إقامة مفريان في المشرق على ما نرى استبدادُ جثالقة النساطرة بسياسة نصارى المشرق عامَّة وتضييقُهم خاصّة على السريان المنوفستيين المعاكسين لهم في المعتقد. وزد عليه أن جثالقة النساطرة وكتبتهم وأيمَّتهم ووجهاءهم كانوا من المقربين في بلاط ملوك الفرس (226-632) والخلفاء العباسيين (750-1258) وكانت كلمتهم مسموعة في ديوانهم. وقد حدث بين. كلتا الطائفتين منذ نشأتهم خصومات دينية ومنازعات علمية وفتن شتى أفضت بهم ذات المرات إلى المرافعة إلى المحاكم فكبّدتهم خسائر جسيمة وأثقلتهم بكُلفٍ باهظة أقعدتهم عن الترقي والنجاح دينياً ومدنياً.

على أن سريان تكريت خصوصاً امتازوا بغلوّهم بالمنوفستية وبغضتهم للنساطرة فكانوا يتنكّبون عن معاشرتهم ويشمئزون من مخالطتهم ويقذفونهم بكلّ سيئة. وبناءً عليهِ لم يأذنوا البتّة أن يتطرقوا إليهم أو يشيدوا لهم مصلّى داخل بلدتهم فاستوجبوا لذلك أن تُجعل مدينتهم قاعدة للمفارنة منذ القرن السابع.

واعلم أن مؤرخي السريان الشرقيين والغربيين معاً أن النساطرة والمنوفستيين قد أوردوا روايات شتى في سردهم سلسلة الجثالقة الذين تبوّأوا كرسي المدائن منذ أوائل النصرانية حتى عهدهم أجلُّها وأقدُّمها سلسلة حدياب تأليف مشيحا زخا الراهب النسطوري (550 – 569) وكتاب المجدل تصنيف ماري بن سليمان وعمرو ابن متى الطيرهاني وصليبا بن يوحنان وهم من كتبة النساطرة. بيد أن تواريخهم مشحونة بالأغلاط والروايات المختلفة أو المختلقة.

وأفضل من كتب في هذا الصدد هو غريغوريوس ابن العبري المفريان السرياني (+1286) صاحب التآليف الرائعة الكثيرة والتواريخ الصادقة السديدة التي نشرها المستشرقون في بلاد أوروبة وأقبل على مطالعتها القرّاء فأحرزوا منها الفوائد الجمَّة وأثنوا على ذكاء كاتبها وتوقُّد ذهنه وسعة معارفه. ومن أجلّ ما كتبهُ في هذا الباب تاريخه السرياني البيعي الذي سرد في الجزء الأول منه سلسلة البطاركة الانطاكيين ووقائعهم ونظم في الجزء الثاني سلسلة جثالقة المشرق ومفارنة السريان إلى عهده.

وغني عن البيان أن المؤرخين اختلفوا في تحديد سنيّ إقامة الجثالقة الأولين ووفاتهم ولا سيما منذ متى الرسول إلى عهد فافا الجاثليق (+329) فلم نتصدَّ لتصويبهم أو تخطيئتهم بل أبقينا ذلك موضوعاً لانتقاد مؤرخي عصرنا ولا سيما المستشرقين الأفاضل أصحاب اليد الطولى في درس تواريخ الكنائس الشرقية.

ولمّا كان مشيحا زخا في تاريخه المومأ إليه قد أولى المستشرقين وروَّام البحث عن الكنائس الشرقية فوائد عظمى وسوّغ لهم الإقرار بحقيقة  انتشار الدين المسيحي منذ القرون الأولى في بلاد المشرق واضطرهم إلى الاقتناع بصحّة تسلسل جثالقة المدائن من أدَّي تلميذ توما الرسول رأينا أن نقتضب أولاً ما أورده هذا الكتاب القديم عن أساقفة حدياب تعميماً للفائدة ثم نأتي بعد ذلك على سرد سلسلة الجثالقة فالمفارنة خلفاً عن سلف.