الرسالة الميلادية لسيادة راعينا الجليل مار ديونوسيوس انطوان شهدا 2012

2012-12-28 19:21:00 [ 2874 مشاهدات ]

باسم ألآب الابن والروح القدس الإله الواحد آمين

رسالة الميلاد 2012

25 كانون الأول   

أبنائي الأحباء،

يعيش عالمنا اليوم ميلاداً جديداً، ميلاد المحبة، ميلاد الكمال، ميلاد الفرح، ميلاد السلام ، هذه هي أهداف ميلاد يسوع في هذا العام، نعيشها بأمل ورجاء، نعيشها بقوة واندفاع، نعيشها بحرارة وإيمان، لأن الميلاد هو تجديد الحياة، هو ميلاد النور، هو ميلاد العدالة والمحبة والسلام.

طفل المغارة الذي احتفلنا بوضعه الآن في المذود بعد رتبة الشعلة، يظهر لنا أن الله نور، هذا الطفل هو نور للعالم، أتى كي يبعد الإنسان عن ظلمات الليل، ويشرق له نور الحياة، نور النهار، نور الشمس الساطع الذي يضيء الطريق لجميع السالكين فيه.

في أيام الميلاد أيها الأحباء كلنا ننطلق إلى نقطة هامة جداً نعيشها ولا نشعر بها، ألا وهي أننا نفكر أن عيد الميلاد هو عيد بابانويل، أن بابانويل سيأتي ويجلب معه الهدايا، وننسى أن العيد هو للمسيح يسوع وليس لبابانويل، وليس للشجرة، وليس للهدايا، فنحن نذهب ونطلب منه الهدايا بالكميات، كل على حسب هواه، كل على حسب مطلبه، وعلى حسب احتياجاته، منهم من يطلب السيارات، ومنهم من يطلب المال، ومنهم من يطلب  الأكل واللباس، وإلى آخره... كما نرى على شاشات التلفزة في العالم أجمع يأتي بابانويل باللحية البيضاء، والثوب الأحمر، حاملاً معه وبجعبته الكثير من الأشياء، نسي الناس أن عيد الميلاد هو عيد طفل المحبة، وطفل الكمال، والتجاؤا إلى بابانويل لأنه يحمل معه الهدايا المادية التي أنستهم من هو الله.

 يا أولادي الأحباء الله تعالى هو هدفنا وليست الهدايا، نحن اليوم نطلب من طفل المغارة، من الطفل يسوع أن يحمل لنا معه سلاماً، أن يحمل لنا معه عدالةً وإنصافاً، أن يحمل لنا معه هدوءً لشعبنا، أن يبعد بحقائب كبيرة : البغض، والألم، والكره، والدمار، والخراب بعيداً عن منطقتنا، أن يبعد عن بلادنا بحقائب لا نستطيع أن نصف مقياسها، تكون حقائب ذهاب بلا عودة عن هذه الأرض الطيبة التي حلّ بها الدمار، التي حلّ بها الموت، التي حلّ بها القتل بجميع أوصافه، التي حلّ فيها خراب البيوت، وقتل الناس، وسرقة أموالهم، هذا ما حمله الإرهاب بجعباته، بحقائبه، لسوريا العزيزة، لحلب الطيبة، هذا هو بابانويل الذي نطلب منه اليوم نحن أن يأتينا بهدايا ?، هل أتى لعالمنا بهدايا لخراب بيوتنا ؟،  هذا هو بابانويل الذي نؤمن نحن  به  ؟ نحن نؤمن بالله تعالى، أبو الجميع،هو الذي سيأتي بهداياه التي نطلبها، وننشدها، ونحن بحاجة إليها، هي هدايا الهدوء، هدايا المحبة، هدايا المعاملة الحسنة بين الناس، هدايا الصداقة، هدايا المحبة الكاملة التي نعيشها في وطننا نحن كأبناء هذا الوطن، أبناء سوريين، مسيحيين، ومسلمين، كما تعودنا في  السابق، وكما نعيش اليوم، وسنعيش إلى الأبد، نحن أصحاب البلد يا أحبائي، نحن لا نحتاج هدايا من الغرب، هذا الغرب الذي أتى وجلب لنا الدمار، هذا الغرب الذي أتى كي يمثل في حياتنا، ويقضي على أبنائنا، وأطفالنا، وشعبنا، نحن لا نؤمن بهذا الغرب، نحن لا نؤمن بهذه التعاليم، نحن نؤمن بتعاليم بلادنا ألحقة ، هنا أرض الشام، أرض سوريا، أرض الحضارات، مهد الديانات، هنا أرض المحبة يا أحبائي، نحن هنا نعيش على أرضنا، نحن أصحاب هذه الأرض، نحن نؤمن بالله تعالى أب لجميع الناس لأنه يظهر شمسه على الأخيار، والأشرار، كلنا أبناء هذا الوطن، وكلنا أبناء الله،  إن كنا بديانات مختلفة لكننا جميعنا نشكل عائلة واحدة في هذا الوطن، مسيحيين أو مسلمين، أو غير مسلمين أو مسيحيين، نحن أبناء هذا الوطن، نحن نؤمن بأن الله تعالى سيعطيننا هدية أكبر اعتباراً من هذا اليوم  ميلاد الطفل الإلهي: العودة إلى الهدوء، وإلى السكينة، وخلاص البلد من هذه الإرهابيات التي نعيشها اليوم.

 واطلب من طفل المغارة أن يعيد السلام، والهدوء، ولننتصر على الخوف الذي حلّ في قلوبنا، لنفرح يا أحبائي بالميلاد لأن الميلاد سيعطي لبلدنا، ولمدينتنا، ولشعبنا أمل الرجاء، وأمل العودة إلى الحياة التي كانت تنعم بها سوريا قبل هذه الأحداث، أمل العودة إلى الحياة الرغيدة، أمل العودة إلى الأمان الذي كنا نعيشه وفقدناه اليوم، حينما كنا  نسير بشوارعنا منطلقي الحرية، نعيش ونقضي ساعات الليل والنهار بكل أمان، هذا البلد الذي تعودنا عليه وليس البلد الذي نعيشه اليوم، الأمان الذي كان العالم يحسدنا عليه في كل أصقاع الأرض، ليس هناك مكان أو دولة يعيش بها الناس بأمان كمثل سوريا، هذا ما فقدناه، هذا ما أجبرنا على فقده، بالأفكار السيئة التي وردت من الخارج، نحن نطلب من طفل المغارة اليوم أن يعيد لنا هذا الأمان، أن يعيد لنا هذا الرجاء، أن يعيد لنا هذه المحبة .

اليوم حلب تعيش وقتاً صعباً، والريف الحلبي ، وحمص، ودير الزور، والحسكة، ودمشق، كل المدن السورية تعيش أوقات صعبة من قطع الكهرباء، والماء، ورغيف العيش، هذا كله نعيشه يومياً، وكلنا نتألم لفقدانه، وكلنا نشكو لعدم وجوده، لكننا أيها الأحباء نعيش حالة حرب، وعلينا أن نحتمل، هذا بيتنا، هذه عائلتنا، ( ان تألم عضو من أعضاء العائلة ، فكل العائلة تتألم ) لنصبر، الرجاء والأمل قريب، لنشارك أبناء وطننا هذا الألم، لأننا كلنا كما قلت عائلة، لنحتمل صعوبات الأرض، الحمد لله أعيد لنا قسم من الكهرباء، بدأنا نجد الخبز، فقط علينا أن ننتظر وجود المازوت، والبنزين ، على الأمل والرجاء، ستعود الأمور لنكن متفائلين أيها الأحباء، لنعش متفائلين، أملين أن هذه الأزمة ستمر، وسيعود البلد كما كان عليه في الماضي طيباً، عريقاً، هادئاً، محباً، وسالماً.

أدعو جميع أبناء سورية من كل الأطياف إلى المصالحة والتفاهم ، فنحن أبناء هذا البلد ويهمنا تقدمه ونجاحه ، أما الغريب فلا فرق عنده إن تقهقر أو نجح ، الغريب هدفه فقط المرابح المادية واستنزاف القوى المحلية ، وشل حركة أبناء البلد الذين يحبون بعضهم بعضا قسرا عن كل معتدي وآثم ، نحن كسوريين لسنا بحاجة للغرب لأخذ النصائح والعبر ، نحن علمنا العالم الأبجدية ، والذكاء السوري وصل كل أصقاع المعمورة ، وأظهر قدرته لكل البشر بالعلم والمعرفة ، "تعالوا يا إخوتي لنتصالح ونتسالم كي يرضى الله علينا ويرحمنا" ( من رتبة المسامحة للصوم الكبير حسب طقسنا السرياني )

في هذه المناسبة نحن لا نحتفل بعيد الميلاد، ولا نشعر بأننا نعيش الميلاد، ولذلك امتنعنا عن الزينات، وامتنعنا عن الاستقبالات الرسمية، وامتنعنا عن الخروج إلى الشوارع لأنها كلها مغلقة، لأننا حزينون على وضع البلد، لكننا كما قلت نعود ونعيش بالأمل، نحن نشارك وطننا هذا الوقت الصعب، نشارك أهلنا هذه الأوقات العصيبة، لكننا دوماً نقول الله إله المحبة، إله السلام، يعرف ما هي احتياجاتنا؟ وهو يعيد لنا ما نحن بحاجة إليه  في القريب العاجل.

في هذه المناسبة أريد أن اهنىء الطائفة القبطية بانتخاب البابا الجديد تاودوروس في مصر، وفي هذه المناسبة نصلي من أجل أهالينا في مصر كي يعيد الله تعالى لها السلام  بعد الأزمات التي تعيشها اليوم، وليكن هذا البابا، بابا الأقباط الأرثوذكس خليفة صالحة لمن سبقه  البابا شنودة، ونقول للمسيحيين في مصر ولأبناء البلد أن لا يخرجوا خارج مصر لأنهم أصحاب تلك الأرض أيضاً، فإن تهجر أهالي مصر المسيحيين الأقباط، معنى ذلك سنخسر /12/ مليون قبطي مسيحي من مجموع سكان أهالي مصر، وهذه كارثة، وأيضاً نحن لا نريد أن يكون هناك تهجير من بلدنا، من سوريا العزيزة، نحن هنا وسنبقى كمسيحيين سوف لا نخرج، نحن أقوياء بالذي يقوينا، وسنتابع رغم كل الصعوبات، وسننتصر على الإرهاب، وسنعيش حياة رغيدة سعيدة، فهذا بيتنا أحبائي.

 كما أهنيء طائفة الروم الأرثوذكس بانتخاب البطريرك الجديد يوحنا العاشر يازجي، الذي استقبلته سوريا قبل أيام باحتفال، ونهنئ أهالي حلب الروم الأرثوذكس، وخاصة سيادة المطران بولس يازجي أخ صاحب الغبطة البطريرك يوحنا العاشر يازجي، الذي نتمناه خير خلف لخير سلف ، نهنئ هذه الطائفة الشقيقة، ونرجو لها التقدم والازدهار.

في نهاية عظتي أحبائي، أريد أن أقدم التعازي القلبية الخالصة لسوريا الحبيبة لما قدمت من شهداء، ولنترحم على أنفس جميع الشهداء من أبناء الوطن، مسيحيين ومسلمين من مدنيين وعسكريين وكانوا بالآلاف، نترحم على نفوسهم، نترحم على حياتهم التي قضوها على هذه الأرض، طالبين منه تعالى أن تكون نفوسهم في السماء خالدة مع الأبرار والقديسين، ونقدم لأهاليهم، لعائلاتهم، لأولادهم، لإبائهم، وأمهاتهم التعزية الصادقة النابعة من القلب، لأننا كلنا تألمنا لما فقدنا من شهداء، ووطننا يستأهل شهداء بالكميات، وكما قال سيادة الرئيس بشار الأسد علينا أن نضحي والأزمة طويلة، وهناك ضحايا، وهذا صحيح، وهذا ما نعيشه، لنصلي من أجل حكامنا، لنصلي من أجل شهدائنا، لنصلي من أجل أمتنا، من أجل وطننا، من أجل بلدنا، من أجل مدينتنا حلب كي ينصرها الله تعالى في القريب العاجل، وليبعد عنها المكاره، وليبعد عنها الأخطار كي تكون قوية .

بنعمة الأب والابن والروح القدس الإله الواحد، أمين.

 

+ المطران مار ديونوسيوس انطوان شهدا

متروبوليت حلب وتوابعها للسريان الكاثوليك

facebook
إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً 

التعليقات (0)

شارك برأيك ! 




نص التعليق