اليوبيل الذهبي للمجمع الفاتيكاني الثاني

2012-10-05 22:37:57 [ 3047 مشاهدات ]
وبعد 3 سنوات تحضيريّة مكثّفة بين الفاتيكان وجميع أساقفة العالم المعنيّين، نتج عنها 62 ملفّا أرسلت إلى سكرتارية المجمع، تحتوي على رغبات المدعوّين للتّباحث فيها. وفي آخر المطاف صدر عن كلّ الجدالات 16 وثيقة رسميّة تعتبر قرارات المجمع النّهائية والمرجعيّة للتّاريخ.

انعقد المجمع الفاتيكاني الثّاني في الفاتيكان يوم الحادي عشر من أكتوبر عام 1962. وهذا يعني أنّنا قريبا ما سنحتفل بمرور 50 سنة على هذا الحدث التّاريخي. لذا نودّ أن نلقي نظرة على أهم إنجازات هذا المجمع، الّذي حدّد له البابا في خطاب الإفتتاح: مهمّتين رئيسيّتين فإلى جانب تجديد الكنيسة داخليّا أسماه Aggiornamento (وهو لا يعني تأسيس كنيسة جديدة وإنّما إدخال الجديد المناسب على القديم فيها) بإبراز دورها الرّاعوي، أي أن الكنيسة، نظرا لرسالتها يجب أن تتجدّد داخليا على ضؤ الإنجيل. نعم الكنيسة بحاجة إلى تجديد داخلي. هذا التجديد يشمل إبراز دورها أمام تحدّيات العصر الملحّة والكثيرة وذلك بانفتاحها أكثر للحديث مع العالم. أمّا المهمّة الثّانية فهي محاولة التقرّب إلى الكنائس والّدّيانات المختلفة بفتح باب الحوار المسدود من مئات السّنين، ليس فقط معها، بل وأيضا مع العالم المؤمن وغير المؤمن. فهي منذ القرن السّادس عشر كانت تظهركلّ سلطتها بقوانين الحرمان لكلّ رأي أو وجهة نظر مخالفة لرأيها، وفي القرن الثامن والتّاسع عشر بقانون حرمان الوثنيّة والعلمنة. هكذا حمت نفسها خلف جدران منيعة، لم تسمح لأيّ تيّار آخر أن يخترقها أو يتعدّى على صلاحيّاتها، الّتي هي أعطتها لنفسها، فأصبح كلّ شيء فيها موحّدا مبنيّا على قوانين وأوامر لاتقبل الجدل، تظهر للعالم أنّها حقّا "الجمعيّة الكماليّة Società perfetta" الّتي لا ينقصها شيء، تلجأ إلى سلطة الحرمان لكلّ نظام غير ملائم لنظامها. وقد أصبح هذا الموقف المتعصّب مشكلة للكنيسة بالذّات في القرن العشرين. إذ من غير إرادتها، وجدت نفسها في عالم علماني، أصبحت حرّية التقرير والدّيمقراطيّة فيه من أولويّاته، لا يحتمل ولا يقبل باحتقان وحدانيّة السّلطة، في عالم راحت التكنولوجيا والعلوم فيه تتوحّد وتتعاضد وتنفي دور الدّين من وسطها. أضف إلى ذلك شقّ الإختلاط والإباحيّة طريقا واسعا في الحياة اليوميّة وأصبح رفضهما من الكنيسة أو وضع حدّ لهما مستحيلا. فأصبح ما علّمت الكنيسة من الأخلاق وأجبرت النّاس على ممارسته مرفوضا جملة وتفصيلا. كذلك نظرة العالم في الكنيسة ومقوّماتها كسلطة وحيدة منافسه له، اختلفت وأصبح قبولها وفهمها كسلطة واسعة النّطاق غير وارد، ممّا عنى انحلال عالم الكنيسة الوحداني بسرعة غير متوقّعة. هذه الأنظمة الجديدة راحت تنتظر جوابا أو حلاّ أو موقفا آخر من الكنيسة غير ما عوّدت النّاس عليه من عشرات السّنين "إذ لا أحد يضع خمرا جديدا في آونة قديمة" (متى 17:9). البابا يوحنا كان قد أدرك هذه المواقف ولذا كان الحديث عن أهمّيّة وضرورة انفتاح وعلاقة الكنيسة مع عالم اليوم من أوّل وثائق المجمع، الّتي صدرت عنه.

هذه كانت حالة الكنيسة في القرن العشرين، لا ترضي ولا تعزّي. كان تجديدها إذن ضرورة حتميّة. وقد حان الوقت لبداية جلسات المجمع والخروج بقرارات عمليّة مرضية ومناسبة، تختلف عن قرارات المجمع الفاتيكاني الأوّل الّتي كانت لاهوتيّة محضة، مثلا التشديد على مفهوم عصمة البابا من الخطأ حينما يتطرّق، كراعي الكنيسة العامّة وبإلهام الرّوح القدس، لإدانة تعليم مخالف للإيمان (مثلا الشّيوعيّة) والأخلاق (مثلا قتل الجنين والمسنّين). أما هدف المجمع الجديد فسيكون مختلفا عن سابقيه في نقطة مهمّة: إنّه لا يريد أن يعلن عقائد إيمانيّة جديدة ملزمة. هو سيكون راعويا محضا أي سيحمل توصيات وقرارات عمليّة. كما سيحاول إلغاء قوانين ما عادت ذات صلاحيّة أو فعاليّة مجدية لأحوال العالم اليوم(مثلا تخفيف قانون الصوم الإحباري وإبداله بتضحية أو تقدمة ماليّة).

ولمّا آن افتتاح المجمع، تحوّلت كنيسة القدّيس بطرس في روما، وهي أكبر كنيسة في العالم الكاثوليكي حتّى اليوم، أوّلا بأوّل، إلى قاعة عمل للمجمع، حيث انتشرت طاولات الجلوس فيها مزيّنة بالمايكروفونات والسّماعات على كل مقعد، كما في البرلمان، كما وركّزت الكاميرات في كل زاوية لنقل وقائع الجلسات، هذا إلى جانب أجهزة الكمبيوترات، الّتي ما كانت متقدّمة مثل اليوم، لكنّها كانت تسهّل نسبة عمليات الإحصاء والإستفتاء.

عندما تنادي الكنيسة لعقد مجمع مسكوني فهذا يعني تمثيل واشتراك كليّ لمسؤوليّي قارّات العالم، بالفعل والقول والعمل، على جميع أجناسهم وألوانهم ولغاتهم - يوم الإفتتاح 11. .10 1962 كانت الكنيسة، ولأوّل مرّة في تاريخها، ممثّلة بأكبر عدد يشترك في مجمع كنسيّ سابق، حيث قدم ما يوازي ال 3400 أسقفا وكردينالا، منهم 2498 كمشاركين فعليا ولهم حقّ التصويت في قبول أو رفض كل قرار يصدر (من هؤلاء المشتركين فعليا كان بطريرك اللآتينيّة الأورشليميّة المتوفّى البرتو غوري وسكرتيره الأب بطرس ميدبيال). هذا وكان لكل مطران مرافق كسكرتير أو مستشار خاص. وأما الباقون من مئات المدعوّين والمراقبين لسير أعمال المجمع عن كثب، فكانوا من باقي الفئات المدعوّة، رجال دين وعلمانيّون على اختلاف طبقاتهم، للمشاركة الغير فعليّة. هذا ولآوّل مرّة كان للإعلام والصحافة، المحلّية والعالميّة، حضور لم يسبق له مثيل في نشر تقارير وأخبار المجمع، الّتي راحت تحتلّ صدارة الجرائد والصّحف اليوميّة.

يوحنا الثالث والعشرون كان قد أعلن أن المجمع سيكون مجمع حوار مع الدّيانات والثّقافات الأخرى، فلا هو مجمع محلّي ولا هو مجمع وطني وإنّما مسكوني (Universal) أي لجميع بقاع الدّنيا. وفي البداية افتكر الكثيرون أنّه سيكون دعوة عمل عامّة واحدة لا ثاني لها لمدة محدّدة من الوقت، يتباحث فيها جميع المشتركين المسؤولين عن الدّيانات لتشجيع الوحدة المسيحيّة فيما بينها. لكن هذا كان تفكيرا خاطئا، إذ دام انعقاد المجمع ثلاث سنوات كاملة ، قسّمت على 4 جلسات طويلة كانت تبدأ دائما في الخريف وتدوم حتى عيد الفصح حيث يرجع الأساقفة إلى كنائسهم وأبرشيّاتهم لإنهاء الأشغال المتبقّية عليهم هناك ثم يعودون إلى روما لمتابعة الجلسات ومناقشة المواضيع المتعلّقة بحياة الكنيسة ودورها في العالم اليوم.

الأب منويل بدر

facebook