الإرشاد الرسولي: قفزة فيليكس في الشرق الأوسط

2012-10-17 22:11:00 [ 3401 مشاهدات ]

بدون مقدّمات، لم يعطِ الإعلام العربي، ومنه بالطبع إعلامنا الأردني، أي حق أو أهمية للإرشاد الرسولي الجديد وهو الوثيقة التي وقعها البابا بندكتس السادس عشرفي لبنان في منتصف أيلول الماضي. رغم كونها الوثيقة الأهم التي تصدر عن جسم معنوي مثل حاضرة الفاتيكان، وتخص المسيحيين في الشرق الأوسط.

إلا أن الإرشاد (وهي تسمية الوثائق التي تعقب السينودس) أو (المجمع) لا يتكوّن من تعاليم بابوية فوقية تهبط علينا بالبارشوت. وإنمّا هو خلاصة لمجمل المقترحات التي قدمها المشاركون في السينودس الخاص بالمسيحيين في الشرق والذين اجتمعوا في الفاتيكان لمدة أسبوعين (10-24/10/2012). وبالتالي فهو ناجم عمّا يفكر به ويقوله أبناء الكنائس الشرقية وما يتطلعون إليه في المستقبل: مستقبل كنائسهم المرتبط حتما بمستقبل أوطانهم وشعوبهم.

 

 

والشأن المسيحي العربي – أو المشرقي – اليوم أصبح مثار تساؤلات وتحليلات وتغطيات: وصارت واحدة من أهم القضايا في زمن "الربيع العربي" هي المسيحيون العرب: لا بل مصير الأقليات الدينية في ظل صعود الإسلام السياسي إلى سدّة الحكم، ولدينا التجربة المريرة في العراق الشقيق، حين جاءت "الديمقراطية" الجديدة وبالا على العراقيين ككل، وعلى المسيحيين بشكل خاص، حيث أجبر أكثر من نصف المسيحيين هناك على الخروج، ليس فقط من العراق، وإنما من الشرق كله، عبر أسرع سفارة تمنح تأشيرة خروج. لذلك فالصالونات الفكرية اليوم، والإعلام الغربي، يجد في الحديث عن مسيحيي الشرق وجبة دسمة، وتحليلات من تكرار التجربة العراقية.

 

 

وسط ذلك، تأتي هذه الوثيقة الجديدة لتقدّم رسائل متعدّدة، لكنّها ليست موجهة إلى المسيحيين فحسب، وإنمّا، ولإدراكها أنّ مستقبل المسيحيين هنا يعتمد على التغيرات الحاصلة في المجتمعات العربية، فإنها تتوجه برسائلها إلى كل سكان المنطقة – أو الشرق الأوسط- بدون استثناء. ولذلك نظم المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام ندوة قبل أيام، اعتبرت بمثابة الإطلاق الرسمي لهذه الوثيقة في الأردن وشارك بها سفير الفاتيكان ووزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية ورسميون دينيون ومدنيون، وحضور فاق عدده خمسمئة شخص.

ولعلّ المتتبع والمشارك في الحوارات الدينية التي تحصل هنا وهناك، وبغزارة في هذه الأيام، يدرك حجم التغيرات الجذرية التي يدعو الإرشاد الرسولي إلى تبنيها أو إلى بدء التفكير بها والأهم من ذلك تطبيقها. ومن الأمور المثيرة حقاً دعوته إلى ألا يبقى التركيز محدوداً في مرحلة "التسامح الديني" بل يتخطاه إلى مرحلة متقدمة وجريئة نحو الحرية الدينية. جاء في الإرشاد:

"التّسامح الدّيني موجود في العديد من الدّول، لكنَّه لا يؤدِّي إلى نتيجة ملموسة لأنَّه يبقى محدوداً في نطاق تطبيقه. من الأَهَميِّة بمكان الانتقالُ من التّسامح الدِّينيِّ إلى الحُرِّيِّة الدِّينيِّة. هذا الانتقال لن يَتَسَبَّب في النِّسْبَويَّة، كما يؤكِّد بعضُّهم. فهذه الخطوة الواجبة ليست تصدَّعاً في المعتقد، لكنها إعادةُ نظرٍ في العَلاقة الأنتروبولوجيَّة مع الدّين والله. ليست تعدِّياً على "الحقائق المؤسِّسة" للمُعتقد، لأنَّه، على الرّغم من الاختلافات البشريّة والدّينيّة، ثمَّة بَصِيصٌ مِنَ الحقيقةِ يُنير جميع البشر. نعلم جيِّداً أنَّ الحقيقةَ خارجَ الله غيرُ موجودةٍ "بحدِّ ذاتها" لأنَّها تصبح صَنَماً. فالحقيقة لا يمكن لها أن تنمو إلا في العَلَاقةِ مع الآخر، الَّذي يقودنا إلى الآخر (الله). والَّذي بدوره أن يُعَرِّفَنا على غنى غَيِّرِيَّتِيه من خلال أخوتي البشر وفيهم. لذا ليس جائزاً التَّأكيدُ بشيء قطعي: "أنا أملك الحقيقة". ليست الحقيقة ملكاً لأحد، إنَّها دائماً عطيّة تدعونا لمسيرةِ محاكاةٍ للحقيقة بشكل أعمق دائماً. يمكن معرفةُ الحقيقة وعيشُها فقط في الحرية، لهذا لا يمكن الإجبار على الحقيقة، إنَّما في لقاء المحبِّة فقط يُمكن سبر أغوارِها".

أنّ العلاقات بين الأديان، أو بين أتباع الأديان، وبخاصة في منطقتنا قد مرّت بمراحل متعدّدة، ولدينا في كتب التراث العربي، ما حفظ العديد من "الجدالات الفكرية والعقائدية، وهي أولى المراحل التي حصلت غالباً في بلاط الملوك والخلفاء". وفي الوقت الذي لا نشجع فيه إلى العودة إلى مثل هذه العلاقات الجدلية، أو الجدالية، فإننا نشيد بالأجواء الهادئة التي كانت تجري فيها تلك الجدالات. وهي أفضل بكثير من حالات التشنّج التي تحدث اليوم بين أتباع الديانات، في كل مرّة يُطرح موضوع عقائدي. لقد كان أبناء القرن الثامن للميلاد أكثر حِلماً وسعة صدر وحكمة من أبناء القرن الحادي والعشرين الذين يثورون أمام أي أمر خلافي.

 

 

ومن ثم جاءت مراحل التعايش، وهي بلغة اليوم، لا تتخطى علاقات حسن الجيرة والاحترام والمجاملات بين أتباع الديانات. ثم جاءت مراحل الحوار الفكرية، وهي جيدة، ونشأت من أجلها العديد من المؤسسات الفكرية والدينية الحوارية. إلا أن مصيبة الحوار أنه يبقى في قاعات مترفة ومكيّفة، ومن يُدعى إليها من دولة شقيقة أو صديقة، تحجز له غرفة مناسبة في فنادق خمس نجوم وأعلى. إذاً بقيت هذه المرحلة محصورة، بل محشورة في فنادق وقاعات بعيدة عن الشارع، ومقصورة المشاركة على النخب الفكرية وأصحاب المقامات. أمّا التسامح الديني، فهو ليس مرحلة وإنمّا ميزة شابت عدداً من المراحل، رغم أنها لم تكن متوفرة في كل البلدان بدرجة متساوية.

 

 

لذلك جاء الإرشاد الرسولي اليوم لكي ينقل مواطني هذه المنطقة وعقلياتهم من مرحلة التسامح وهي بالمناسبة، ليس فيها مساواة إذ إن الطرف المسامِح (بكسر الميم) يكون لديه غالباً شعور بالقوة والعظمة والعلوّ والكبرياء ، لننتقل إلى المرحلة المتقدّمة، وهي ذات شقين شقيقين غير منفصلين:

أولاً الحرية الدينية، وتدعوها الوثيقة بأنّها "تاج الحريات جميعها ولا مساومة عليها . ما أجمل هذا الوصف "التاج" بكامل صفائه ونقائه وسمو مكانته. وما دون الحريّة الدينية، كل الحريات باطلة أو لنقل منقوصة.

يُدرك البابا، ومن قبله الأساقفة المجتمعون عام 2010 (ومجملهم قدموا من الدول العربية)، يدركون جيداً أن ما تنصّ عليه معظم دساتير الوطن العربي، لا يتعدى كونه حرية "عبادة" وهي تعني احترام إقامة الشعائر الدينية، وتقديم حماية لدور العبادة، لدى مختلف المكوّنات الدينية. لا أكثر ولا أقل.

أما الحرية الدينية، بكامل ألقها وجمالها، فهي ألا تشعر جماعة دينية، بأنها مغلوب على أمرها، لمجرّد كونها أقلية عددية، وهذا ما يحدث في أكثر من دولة عربية اليوم. فأبناء الأقلية سهل عليهم، وأحياناً في ظل ضغوطات نفسية وجسدية، أن يغيّروا ديانتهم لكنّهم لا يستطيعون العودة بعد ذلك، وجلّ ما يحصلون عليه بعد عناء وعناء وعناء... أن يُكتب فوق هوياتهم الشخصيّة عبارة "بلا دين". أمّا أتباع ديانة الغالبية "العددية"، فلا يستطيعون أن يتحرّكوا من ديانتهم. ما تدعو إليه الوثيقة هو درجة متقدّمة جداً. لا أظن أياً من الدول العربية سوف يتبناه في المستقبل القريب... لكني أظن بأنّ المنطقة غير غريبة عن المفاجآت والمتغيّرات الجذرية. لذلك فانّ تبنّي "تاج الحريات" سيصبح أمراً لا مفرّ منه، نظراً لانعكاساته على حقوق الإنسان مباشرة.

والأمر الثاني المميّز للمرحلة هو مرحلة المواطنة، وهي بالطبع متعلقة بالضرورة في النقطة السابقة: الحرية الدينية. والمواطنة تنصّ على المساواة في الحقوق والواجبات وفي التعامل وفي إتاحة الفرص، وبخاصة في المشاركة السياسية وتبوء المناصب العُليا فيها.

 

 

ما زالت بلداننا العربية تُعامل المواطن، من باب الاختلاف الديني. وما زالت المكوّنات الدينية هي الصيغة الأكثر تقدماً في هذه المجتمعات. إلا أنّ هذا كله لا يتخطى كونه مجرّد بداية وليس هدفاً، فالكوتا صيغة توافقية وتسهيلات اجتماعية، لكنّ المطلوب هو الوصول إلى مرحلة المواطنة الكاملة. وهي بالطبع تختلف عن العلمانية المطلقة والداعية إلى فصل الدين ليس فقط عن السياسة وإنمّا عن المجتمع، لكنها مرحلة المساواة... المساواة التامة. فلم يُعد عصرنا الحالي يسمح بمعاملة أي مواطن على هذا الكوكب لمجرد كونه تابعاً لهذه الديانة أو حتى هذه الطائفة. جاء في الإرشاد: "من واجب وحَقِّ الكاثوليك في الشَّرق الأوسط، ومعظمهم من سكَّان البلاد الأصليِّين، المشاركةُ التَّامّة في حياة الوطن من خلال العمل على بناء أوطانهم. ينبغي أن يتمتَّعوا بمواطنة كاملة، لا أن يُعاملوا كمواطنين أو مؤمنين من درجة ثانية".

 

 

ألا ترون معي أهمية الوثيقة البابوية الجديدة، أنّها ترغب بمساعدة سكان هذه المنطقة على القفز نحو المجتمعات المتقدّمة والمتطوّرة والديمقراطية.

إنها لا تقلّ خطورة عن قفزة فيليكس المغامر النمساوي... وهو قد نجح فعلاً...

فهل ينجح الإرشاد الرسولي بتحقيق قفزته المتطوّرة؟!

 

الأب رفعت بدر

(نقلاً عن موقع أبونا)

facebook
إن التعليقات الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي وفكر إدارة الموقع، بل يتحمل كاتب التعليق مسؤوليتها كاملاً 

التعليقات (0)

شارك برأيك ! 




نص التعليق