الإساءة إلى الإسلام وتضاؤل المسيحيين العرب

2012-10-08 15:49:00 [ 3318 مشاهدات ]
من شريط الأسبوع الأخير اطّلاع الأمم المتّحدة مرّة أخرى على حقوق شعبنا الفلسطينيّ المظلوم وضرورة إنصافه في سبيل السلام. ومن جهة أخرى استمع المجتمع الدوليّ إلى مديح للشعب العبريّ وأفضاله في العلوم والآداب والتكنولوجيا

من شريط الأسبوع الأخير اطّلاع الأمم المتّحدة مرّة أخرى على حقوق شعبنا الفلسطينيّ المظلوم وضرورة إنصافه في سبيل السلام. ومن جهة أخرى استمع المجتمع الدوليّ إلى مديح للشعب العبريّ وأفضاله في العلوم والآداب والتكنولوجيا، وآلامه في الماضي ومخاوفه في الحاضر من المستقبل، من غير أيّ تلميح على حقوق شعبنا الفلسطينيّ الّتي هُضمت منذ أكثر من اربع وستّين سنة وما تزال.

 

إلقاء القبض على "قبطيّ" من المهجر يبدو أنّ له علاقة بالفيلم المُسيء للإسلام

ما زالت التحقيقات مستمرّة وإن كانت هنالك نظريّات متعدّدة ، ولا إلمام لنا فيها ولا كفاية. وللإسلام رجاله وأجهزته التي لا يريد المرء هنا التطفّل عليها. ولكن لفت انتباه نفر من المشاهدين كثير أنّ "الفيلم" عرض – على ما يبدو- حوارين مع عبرانيين اثنين لا يجد لهما أحد أيّ أثر في المصادر الإسلاميّة. ومن المُثير للعناية أنّ أحد العبرانيين قبل موته يقول أنّ الله سيفتقد اليهود ويُعطيهم أرض فلسطين ويجعلهم ينتقمون من المسلمين فيها.

 

اقتصر هذا المقال على هذه الجزئيّة لا تجاهلاً لباقي الفيلم – إذا صحّ أن تُدعى كذلك تلك اللقطات التي لم يُشاهدها الداعي – لا لشيء سوى لتبيان ذي شأن كبير، وهو أنّ ذلك الموقف الذي اخترعه القائمون على تلك المشاهد، ليس على الإطلاق موقف الكنيسة الكاثوليكيّة ولا الأرثوذكسيّة بشكل عام، ولا الكنيسة القبطيّة بشكل خصوصي! فالكنيسة الرسوليّة تؤمن أنّ المؤمنين بالسيّد المسيح حلّوا كشعب مختار محلّ قوم العهد القديم الذين ما قبلوا المسيح (عن يوحنا 1 : 3 وتابع) وأنّ ما لأحد الحقّ في الأرض المقدّسة إلاّ أصحابها الشّرعيّون وأنّ "الاحتلال خطيئة كبرى" تخالف أكثر من وصيّة.

 

مع الأسف الشّديد ومنذ القرن السادس عشر في ألمانيا، انطلقت بالانشقاق عن الكنيسة حركات تؤيّد حكومة ودولة عبريّتين في فلسطين ، على حساب الحقّ والعدل. وما زالت تلك الفئات مزدهرة ولا سيّما في العالم السكسوني وخصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكيّة.

 

عليه يصعب بل من المحال أن يقف وراء "الفيلم" أقباط من أبناء الكنيسة الأرثوذكسيّة أو الكاثوليكيّة القبطيّة، وإن كانوا مصريي وأقباط الأصل فهم من الجماعات المُستحدثة المُحدثة المنشقّة، التي لا تعترف بها الكنيسة، وإن كسبت تلك المجموعات نفراً من الناقمين على الاكليروس أو الجاهلين في طبيعة الكتاب المقدّس والكنيسة، أو المستفيدين مادّيّاً أو المتوهّمين – كما كان يشكو مارتين لوثير نفسه – انهّم "تلقّوا وحياً من الله" شخصيّاً!.

مصلحة فئات "مسيحيّة" منشقّة في تهجير ما تبقّى من مسيحيي الشرق

 

عالجت السيّدة ريموندا الطّويل حوّا في مقال لها بليغ نشرته صحيفة "القدس" الغرّاء، معضلة هجرة المسيحيين العرب من أوطانهم وتضاؤلهم المُخيف، وكتبت بصواب أنّ من العيب والعار أن تمُسي فلسطين وطن السيّد المسيح ومهد المسيحيّة خالية من مسيحيّيها. وأشارت بحزن إلى القرنين الثامن والتاسع عشر حيث هاجرت ألوف مؤلّفة من المسيحيّين العرب من أوطانهم الحبيبة. وبيّنت السيّدة الطّويل حوّا حرص الحبر الأعظم وقلق قداسته البالغين على المسيحيّين في الشّرق، وجرأته وتصميمه على تثبيتهم في ديارهم.

 

وفي هذا المقام أيضاً يعود المرء إلى التاريخ الحديث فقط ليرى مساهمة الجماعات الدخيلة المستحدثة المحدثة ولاسيّما الأمريكيّة في تهجير المسيحيين العرب، الذين لسطحيّتهم يفرحون سروراً عندما تساعدهم تلك الفئات – بخلاف الكنيسة الرسوليّة – على تأشيرات الدخول والزيارة والعمل والإقامة في الغرب.

 

وهنالك مع الأسف البالغ عدد من "المسيحيين" الأنانيين المادّيّين ولاسيّما من الموسرين الذين يتوقون إلى الهجرة لا لتحسين أوضاعهم بل لزيادة أموالهم، ولا يهمّهم أنّهم سيخسرون أولادهم وبلادهم وتقاليدهم وكنيستهم. وهنا تلتقي أهداف تلك الحركات مع أهداف العبرانيين إذ تساعد تلك الفئات بتهجير المسيحيين العرب – الذين لا يرغب فيهم الكيان العبريّ لعروبتهم ومسيحيّتهم. ومن جهة أخرى حتّى لو لم "يهاجر" جغرافيّاً أو مادّيّاً "مسيحيّون" كثيرون، فإنهم حتّى وهم في بلادهم، يصبحون من المتنكّرين للوطن ومن أتباع الفئات المُحدثة التي "هاجرت" معنويّاً وروحانيّاً وهجرت الكنيسة الأصليّة العريقة، كما حدث في العراق الشقيق: تهجير ماديّ جغرافيّ للمسيحيين العراقيين فتركوا وطنهم، وتهجير معنويّ بمحاولة القضاء على الكنيسة العريقة واللغات والطقوس القديمة، في سبيل "مسيحيّة غربيّة سكسونيّة أمريكيّة طبعة حديثة" ستؤول بأصحابها سريعاً إلى الهجرة المادّيّة أيضاً.

 

خاتمة

نحن، مسلمين ومسيحيين، نريد لشعوبنا أن تعيش ولغيرنا أن يعيشوا، لا نريد استسلاماً بل سلاماً ولا استرحاماً بل احتراماً! ولنقضينّ نحن المسيحيين على التشتيت والتفتيت والتشريد والتهجير المادّيذ والمعنويّ الذي تحضره فئات دخيلة تستميل قوم المصالح والمآرب ويكون الكلّ واحداً.

الأب د. بيتر مدروس

 

facebook