القدّيسان الشهيدان بطرس وبولس من فلسطين إلى روما

انطلقت المسيحيّة من فلسطين مهدها، وبقيت زهرة المدائن أمّ الكنائس وقلب المسيحيّة، وإن كان الرسل الكرام بعبقريّة سامية قصدوا عواصم العالم القديم، سعياً إلى نشر البشرى بتأييد روح القدس.

وعليه ليست عاصمة المسيحيين روما ولا انطاكية ولا الاسكندرية، وما تمّت ولن تتمّ عملية "ترانسفير" (يعشقها قوم العهد القديم لغيرهم من الشعوب). ومع ما تعانيه الكنيسة الأمّ في القدس وسائر فلسطين فإنّها هي الوجدان والينبوع كما ورد في المزامير وفي نبوّة أشعيا: "من أورشالم كلمة الرب".

سمعان بطرس كان صيّاداً من بيت صيدا، وشاول كان على ما يبدو من بلدة "الجشّ" في أقصى الجليل الأعلى. ولكنّه من مواليد طرسوس من أعمال قيليقية (اليوم في تركيا). ولا تناقض بين رسالة الرسولين. بطرس أُرسِل أوّلاً لمعشر العبرانيين، وبولس أيضا توجّه في بادئ الأمر إليهم، وهو يتمنّى منهم تجاوباً، وقد توهّم أنّ الآباء والأنبياء وكتابات العهد القديم ستليّن قلوب الصخر فيهم. وفعلاً تغيّر كثيرون منهم واعترفوا بيسوع بن مريم سيّداً وفادياً ومسيحاً ورفضه غيرهم إلى أيّامنا.

ولا تحول الخلافات البشريّة حول بعض التصرّفات دون الوحدة في العقيدة والولاء في الطاعة. وفعلاً، تورد الرسالة إلى أهل غلاطية اعتراض شاول بولس لا على التعليم ولا على العقيدة ولا على البشارة عند بطرس، بل مجاراة أمير الرسل لليهود وتجنّبه تناول الطعام مع الوثنيين في سبيل إرضاء اليهود. ويبقى الرسل بشراً، لكلّ منهم طباعه وتوجّهاته، ولكن الوفاق والاتفاق في العقيدة كامل شامل.

واليوم كما في عصور غابرة، يحاول خصوم المسيح والبشريّة أن يزعزعوا أركان السلطة الكنسيّة، خصوصاً في الكراسي البطريركيّة القديمة وهي القدس وروما وانطاكية والاسكندريّة وبيزنطة  ولكن كنيسة المسيح مبنيّة على الصخر.

وفي سنة الإيمان هذه، نجدّد إيماننا المُطلق بالرب الذي أسّس كنيسته، ووعد أن يكون معها كلّ الأيام إلى منتهى الدهر. ومع الأب القانوني "فرنسيس ريبلي" نلحظ أن "أعظم قوّة جلبت التمدّن والحضارة والرقيّ في القرون الميلاديّة الأولى هي البشرى التي قدّمها السيّد المسيح، واستمرّ عليها وفي ضوئها النهج الرسولي في الكهنوت المسيحي العريق. فالإنسانيّة -وإن كان بعض أفرادها في الغرب ملحداً- وجماعاتها مدينة للمسيح والإنجيل والكنيسة بانتقالها من الوثنيّة والفساد إلى سليم العقيدة وسامي الأخلاق. وكان السيّد المسيح قد قال عن نفسه أوّلاً وعن أتباعه ثانياً أنّهم "نور العالم"!.

الأب د. بيتر مدروس