"زوبعة في فنجان" على الفاتيكان، لا تهزّ سفينة بطرس ولا القبطان!

[ 2126 مشاهدات ]

تحتفل الكنيسة كل أحد  بالقيامة السيديّة وبالذكرى الأسبوعية لتأسيسها في زهرة المدائن بحلول روح القدس يوم العنصرة على السيّدة العذراء مريم دائمة البتولية والنسوة القديسات والرسل الأطهار والتلاميذ الأبرار. فلا يتوهمنّ أحد أن "عيد العنصرة" هو فقط مناسبة سعيدة مرّة في السّنة. وفي ذلك اليوم سنة 30 للحساب الميلاديّ تمّت النبوّة الواردة على لسان اشعيا النبي ابن المدينة المقدّسة أن من القدس "تخرج الشريعة ومن اورشالم كلمة الرب" (2: 2 وتابع). وفعلاً، أتى السيّد المسيح بشريعة المحبة سائلاً إيّانا وباقي الناس أن لا نكتفي بمحبة الشريعة بما أن "الحرف يقتل" أحياناً "والروح تحيي" دائماً! وفي الكنيسة تمّت نبوّة صاحب المزامير - التي  لا تجد لها حتّى أيامنا في اليهودية تحقيقاً، سيّما وأن اليهودية تمنع الشعوب من المجيء إلى القدس وتحاول استئصال غير لايهود منها - أي أن "كل الشعوب وُلدت" في  المدينة المقدّسة (مزمور 78 (68): 6-7)، فالقدس أم جميع الكنائس وهي مهد المسيحية روحانياً ووجدانياً وعاصمتها الأبدية. وإن كانت هنالك عواصم إدارية مثل روما وانطاكية والإسكندرية والقسطنطينية بسبب الخلافة الرسولية المباشرة أم غير المباشرة، فالقدس قلب المسيحية النابض وترفض أي "ترنسفير" قد يتذرّع به نفر من العبرانيين ومؤيديهم ولاسيّما من "العالم الجديد" في سبيل احتكار عبري للمدينة المقدسة وكأن المسيحي خصوصاً وغير اليهودي عامّة غريب فيها أجنبي.

تأليف وتضخيم محزنان لتسرّب في الفاتيكان!
يبدو أن كبير خدم الكرسي الرسولي باولو غابرييله، ولعلّه العلماني الوحيد الذي يتبوأ أو تبوّأ منصباً عالياً في حاضرة الفاتيكان، سرّب وثائق ورسائل سريّة التقطها خصوم الكنيسة وأسرع روائي إيطالي يدعى "نوتسي" بنشرها. وفعلاً، قال المنسينور بيشيوك أن هذا التجاوز  غير أخلاقيّ بشكل مشين فظيع يستأهل صاحبه الملاحقة القضائية.
وإذا سأل سائل: ما الخطب وعلامَ الضجّة - أو كما يحب بعضهم أن يقول "الفضيحة"؟ يظهر أنّ "باوليتو" كبير الخدم كان يتمتّع بثقة الحبر الأعظم ومع ذلك "لغرض في نفس يعقوب" سرّب رسائل شخصيّة موجّهة إلى قداسة البابا بندكتوس السادس عشر. ويبدو أن عدداً من الرسائل كان يشكو من تسلّط الكردينال وزير الخارجية، ويأتي قسم آخر في إطار الكشف عن "محسوبيات"، طبعاً لا علاقة لصاحب القداسة بها بل إلى قداسته يشكو الشاكون. ويظهر أنّ بعض الوثائق اشتكت إلى الحبر الأعظم –بما فيها مدير بنك الفاتيكان المقال– التبرعات السخيّة التي كانت تقوم بها، في عهد البابا الراحل يوحنا بولس الثاني الكبير، مؤسسات مثل ال "اوبوس ديي" أو "جنود المسيح" دعماً للشعب البولندي، لتمويل حجّه إلى روما ولقائه بمواطنه العظيم. قد ينتقد بعضهم تلك التبرعات التي لا دخل لهم فيها، أي " لا ناقة ولا جمل"، ولا تؤذي أحداً. ويدرك المرء بسهولة حب قداسة الراحل الكبير يوحنا بولس الثاني لشعبه ووطنه وبلاده التي ذاقت شتى ألوان العذاب تحت الحكم الدكتاتوري والتوتاليتاري. كما يفهم المرء فخر البولنديات والبولنديين بابن وطنهم الذي ساهم بعون الله في إسقاط الماركسية الملحدة المعادية للمسيحية خصوصاً ولكل دين عموماً. ويزيد ذلك الفخر والحبور عندا يعلم المرء أن البابا يوحنا بولس الثاني كان أول حبر أعظم غير إيطالي منذ أكثر من اربعمئة سنة أي منذ البابا الهولندي أدريانس السادس.

ردة فعل الحبر الأعظم بندكتوس السادس عشر
عهدت الكنيسة والعالم قداسة البابا راتسنجر، ابن بافاريا البار من أعمال المانيا، عهدته شجاعاً جريئاً واضحاً لا لفّ عنده ولا دوران، متواضعاً على علمه قويّاً على وداعته. عبّر قداسته عن عميق حزنه، وأحسبه في ذلك اشار إلى  خيانة العلماني المذكور آنفاً. ولكنّ قداسته لم يتردّد، وبأوضح صيغة، أن يعلن: "من المؤسف أنّ بعض وسائل الإعلام تضخّم أموراً لا أساس لها وتقدّم الكرسي الرسولي للجمهور بخلاف الواقع".
وإذا كان الهدف من تلك الزوبعة ضغطا على البابا بندكتوس السادس عشر للاستغناء عن الكردينال "برتونه"، فإن المحللين يرون صعوبة كبيرة في تغييرات خطيرة عند الحبر الأعظم (85 سنة) الذي لا يحبّ من طبعه التقلبات غير الضرورية.


من وراء "نوتسي" و "غابرييله"؟
أوصانا الإناء المختار بولس رسول الأمم "ألاّ نحكم على أحد قبل الأوان". عليه، لا تلفظ هذه السطور على "غابرييله" كبير الخدم حكماً، فالمتّهم بريء حتّى إدانته (إلاّ عند بعض الحكومات والأجهزة!) ولكن يطلق المرء هنا بكل راحة إدانة للكاتب "نوتسي" الذي يبدو انه يتلذذ في استنباط "الفضائح" أو في "تطريز" "أشياء كانت وأشياء ما كانت"، لا في ضوء الحقيقة بل تحت الظلال وفي ظلمة الظلم والتحيّز والحقد، في إطار ما يدعوه الإيطاليّون النبهاء "كرونكا نيرا" أي "الصحافة السوداء"، ولعلّ الضاد تفضّل "الصحافة الصفراء". ويشبّه  بعضهم البشر المتنعّمين بالشر وبأخباره (الصحيحة منها والوهيمة) بأنواع من الجوارح  لا تتغذّى إلاّ من الجيف.ويرى المرء بكل أسف الظلم المستمر والتبلي والتشنيع فقط على الكنيسة الكاثوليكية وعلى رؤسائها الروحانيين وابنائها - دون غيرها، مع أنها أو بالضبط لأنها أكثر من سواها وربّما وحدها أحيانا المدافعة عن الإيمان والأخلاقيات والعدالة أمام وجه الإلحاد والإباحية والجور! وكفى مثالا القدح المستمرّ ببعض كهنتها المتورطين بالتحرش بأطفال. ويحلو للمرء هنا أن يشير إلى رسالة أحد الكهنة السالزيان (من رهبنات القديس الكبير يوحنا بوسكو) والكاهن مرسل في أنجولا  يذكّر أحد الصحفيين بما ارادت "الصحافة السوداء الصفراء" أن تنساه اي بطولات الكهنة الكاثوليك وتضحياتهم التي لا مثيل لها في أنجولا واستشهاد عدد منهم وهم يسعفون الجرحى وينادون بحقوق الفقراء أو عندما قضت عليهم عدوى الأوبئة، في حين هرب غيرهم من ساحة التضحية! وعلى أنجولا وكهنتها الكاثوليك قِس، على مستوى الكرة الأرضية، منذ عشرين قرناً من الزمان أي منذ تأسيس الكنيسة في القدس سنة 30م!.


خاتمة
نستشهد هنا بكلمات صاحب القداسة بندكتوس السادس عشر بمناسبة هذه الزوبعة: "انني على يقين، رغم الضعف البشري، أن الرب لن يتخلى عن كنيسته وأنه له المجد باق معها"، وفي الأقوال الحبرية صدى للكلمات السيدية الخالدة: "على هذه الصخرة  (أي عليك يا بطرس) سأبني كنيستي وابواب الجحيم لن تقوى عليها... وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (عن متّى 16 : 18 ، 28 : 20). وان ارتفعت أحياناً على سفينة بطرس أمواج عاتية فالرب فيها وهو قبطانها غير المنظور يشدّد بنعمته نائبه المنظور أسقف "روما العظيمة"  "التي هي بمثابة منارة جميع الكنائس تحت الشمس" (كما قال القديس صفرونيوس) ففي رومة، كما يقول بطريرك القدس الجليل صفرونيوس، "الكرسي الرسولي عماد العقائد القويمة"، ولعلّ كلمات القديس صفرونيوس وأقواله (التي نقل بعضها في مجمع اللاتران نائبه الاسقف اسطفانوس الدّرّ) إعلان أنّ في "كنيسة الرومانيين جزيلة القداسة" التي "تترأس المحبة بين الإخوة" (مار ايريناوس) تجسيدا للكلمات الرسولية: "الكنيسة هي بيت الله الحيّ ، وهي عمود الحقّ وركنه" (عن تيموثاوس الأولى 3 : 15).

الأب د. بيتر مدروس